عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

276

اللباب في علوم الكتاب

أما الأوّل وهو أنه ثبت أن الأجسام متماثلة ، وثبت أن ما يحتمله الشيء وجب أن يحتمل مثله ، وإذا كان كذلك كان جسم القمر والشمس قابلا للتّمزّق والتّفرّق ، فإن قلنا : إن الإله غير قادر عليه كان ذلك وصفا له بالعجز ، ونقصان القدرة ، وحينئذ يصدق في حق هذا القائل أنه ما قدر اللّه حقّ قدره . وإن قلنا : إنه - تعالى - قادر عليه ، وحينئذ لا يمتنع عقلا انشقاق القمر ، ولا حصول سائر المعجزات . وأما المقام الثاني : وهو أن [ حدوث ] « 1 » هذه الأفعال الخارقة عند دعوى مدّعي النبوة يدلّ على صدقه ، فهذا أيضا ظاهر على ما قدر في كتب الأصول ، فثبت أن كلّ من أنكر مكان البعثة والرسالة ، فقد وصف اللّه تبارك وتعالى بالعجز ونقصان القدرة ، فكل من قال ذلك ، فهو ما قدر اللّه حقّ قدره . والوجه الثالث : أنه لما ثبت حدوث العالم ، فنقول : حدوثه يدلّ على أن إله العالم قادر عليم حكيم ، وأن الخلق كلهم عبيده ، وهو مالكهم وملكهم على الإطلاق والملك المطاع يجب أن يكون له أمر ونهي ، وتكليف على عباده ، وأن يكون له وعد على الطاعة ، ووعيد على المعصية ، وذلك لا يتم ولا يكمل إلّا بإرسال الرسل وإنزال الكتب ، فكل من أنكر ذلك فقد طعن في كونه تعالى ملكا مطاعا ، ومن اعتقد ذلك ، فهو ما قدر اللّه حقّ قدره . فصل في بيان سبب النزول في هذه الآية الكريمة [ بحث ] « 2 » صعب ، وهو أن يقال : هؤلاء الذين حكى اللّه عنهم أنهم قالوا : ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ إما أن يقال : إنهم كفّار قريش ، أو يقال : إنهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، فإن كان الأول فكيف يمكن إبطال قولهم بقوله : قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى وذلك أن كفّار قريش والبراهمة ينكرون رسالة محمد - عليه الصلاة والسلام - فكذلك ينكرون رسالة سائر الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - فكيف يحسن إيراد هذا الإلزام عليهم . وإن كان قائل هذا القول من أهل الكتاب فهو أيضا مشكل ؛ لأنهم لا يقولون هذا القول ، وكيف يقولونه مع أن مذهبهم أن التوراة كتاب أنزله اللّه على موسى ، والإنجيل كتاب أنزله اللّه على عيسى - عليه الصلاة والسلام - وأيضا فهذه السّورة مكيّة ، والمناظرة التي وقعت بين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وبين اليهود والنّصارى كلها مدنية ، فكيف يمكن حمل هذه الآية الكريمة عليها ، فهذا تقدير الإشكال في هذه الآية . واعلم أن النّاس اختلفوا فيه على قولين ، والقول أن هذه الآية نزلت في حقّ اليهود ، وهو المشهور عند الجمهور « 3 » .

--> ( 1 ) في ب : حصول . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) ينظر : الرازي 13 / 61 .